المشاركات

أن تكون فلسطينيا: نص فينومينولوجي

صورة
  كلَّمتُ أمي البارحة. وكان محور حديثنا أوضاع الشتات الفلسطيني وتلك الرحلة المُضنية من لحظة تفتُّح الوعي بالذات على أساس الأصالة، أي الشعور بأن الإنتماء، في هذه الحالة إلى "البلد المُضيف"، حقيقي وطبيعي، إلى لحظة الشقاق الأنطولوجي الهوياتي طويل الأمد مع ذلك الوعي، لحظة الإنقلاب على الأصالة بالإكتساب، أي تطوير إدراك أنك، كفلسطيني/ة، تنتمي ولا تنتمي، أو تنتمي "ضيفا"، لا أكثر.  استعملت أمي كلمة "صفعة" في سياق وصفها لوقع هذا الشقاق على الفلسطيني/ة، "الضيف الدائم". يمكن بالتخييل التأويلي، فينومينولوجيا، أن نُفَلسف هذه الصفعة بأن نصوِّرها بابا بين غرفتين، بين واقعَين، واقع الكينونة بالأصالة ("أنا أنتمي، وهذا وطني") وواقع الكينونة بالإكتساب (" أنا لا أنتمي. أنا طريد"). قالت أمي: "في الجامعة [الجامعة اللبنانية] صُفعتُ بكوني فلسطينية. كان وعيي بفلسطينيتي قبل الجامعة وعيا خافتا، وعيا عضويا، لا مركَّبا، وعيا جميلا، وعيا لم يُشغلني لأنه لم يُعطِّل حياتي اليومية".  يمكن، إذا، تقديم تعطيل الحياة اليومية على أنه آليّة من آليّات الشق

مفاهيم لبناء مناهج تربوية: التعدد واللحمة في السياق اللبناني

صورة
على مناهج التعليم العام أن تعمل على بناء الهوية الوطنية الدامجة على مستويات التعليم والعملية التعلُّمية والإدارة التربوية كافة. للهوية الوطنية الدامجة رُكنان متشابكان، يكمل أحدُهما الآخر: التعدُّد، بمعنَيَيْه الواسع والضيّق، واللُّحمَة، التي يجب أن تكون هادفة.  الركن الأول، التعدُّد ، يحيلُ إلى اختلاف المواطنين والمقيمين أفرادا وجماعات، من حيث مُتَبنِّياتهم الفكرية، توجُّهاتهم السياسية، تقاليدهم وعاداتهم الاجتماعية المُكتسبة، ثقافاتهم وأساليب عيشهم وآرائهم ومواقفهم من الشؤون العامة والقضايا المعاصرة، بالإضافة إلى تنوُّعِهم الديمغرافي (الفئة العمرية، الطبقة الاجتماعية، الأسرة والعائلة، مكان الإقامة، التحصيل العلمي، المهنة، الكفايات والمهارات الذاتية والاجتماعية، النوع الاجتماعي - الجندر - والنوع الجنساني). إن عمليةَ صناعة المناهج العتيدة على أساس هذا الركن تشترط، من بين أمور أخرى، تحقيقَ التالي: أولا، اعتراف المناهج صراحةً بالتعدّد، على سعته، وبالحقوق السياسية والمدنية الشاملة المترتِّبَة عن هذا الاعتراف للأفراد والجماعات كافة؛ ثانيا، الإقرار، توازيا مع هذا الإعتراف، بأن التعدُّد، بالرغ

أين مناهجنا من الإنسان اللبناني؟

صورة
مقدمة في أدبيات علم الإجتماع العربي المعاصر ذكرٌ متواتر لمدرستين متباينتين، خاصة بما يتعلق بتحليل التشكُّل الاصطراعي للهويات الجماعية (وطنية، دينية، طائفية، إثنية، قبلية وهلمّ جرا). المدرسة الأولى مدرسةُ حنا بطاطو، صاحب كتاب "فلاحو سوريا"، الذي ارتكز في تفكيره على منهجية تفكيكية (ما-بعد-بنيوية) تحيلُ الإجابة على أسئلة الهوية إلى تكوينات المجتمع السوسيو-تاريخية، وأهمّها التكوين الطبقي الإجتماعي. أما المدرسة الثانية، فهي مدرسة علي الوردي، صاحب كتاب "شخصية الفرد العراقي". الأخير، بعكس بطاطو، سلَّمَ بثباتِ الواقع في تحرُّكه؛ الهويات مركَّبة، ديناميكية وتطوّرية، ولكنها في الوقت نفسه متأصّلة في ثباتٍ ما - اضطهاد تاريخي ذي وظيفة تأسيسية، على سبيل المثال. لكل مدرسة من هاتين المدرستين نصيبٌ وافر من النقد، من قبيل اتّهام الوردي بالجوهرانية، أي ردِّ الأمر إلى جوهره (أو الجوهر المُتخيَّل له)، ولكنهما تتقاطعان عند محاولة فهم الإنسان قي جغرافيته الإجتماعية المباشرة، ماهيّته وهويّته واشتراكاته الهوياتية مع الآخر.  الإنسان اللبناني: بين المناهج الرسمية والمناهج المضادة لبطاطو مكانة

اللبنانيون... ومن الحب ما قتل

صورة
قبل أيام جمعتني مكالمة هاتفية مع صديق لبناني. صديقي "يساري"، كما يعرّف هو عن نفسه، ولكنه يقرّ بتأثيرات "البيئة المسيحية المارونية" حيث وُلد وترعرعَ عليه.  زبدةُ مكالمتنا كانت مفاتحتَه إياي بأنه "يشمئز" من الإسلام نفسه، وليس المسلمين (بعكس السائدِ من القولِ والفكرِ في الأوساط العلمائية والشعبية معا، حيث "الإشمئزاز" من المسلمين وليس الإسلام)، لأن هذا الدينَ الذي، على حد وصفه، بدأ "تقدّميا" أخذ يتقهقر ويتراجع إلى "رجعية" ظلامية تستعصي على التجاوز. ليس هذا فقط، بل يرى صديقي أن ضرورات التكيّف مع عصر ما بعد الحداثة تستدعي إزاحة الإسلام بكليته، عقائدَ وقيما وطرائقَ تفكير ومساقات معاش وتعارف وتثاقف، أي الذهاب إلى ما هو أبعد من هَجْر الإسلام من حيث كونه منظومة مسلّمات غيبية. ومع تأكيده، كما سبقت الإشارة، على أن خطابه يصوّب على الإسلام، وليس المسلمين، إلا أنه أسرّ لي أيضا أنه لا يحب المسلمين، بل ويجد صعوبة بالغة في مخالطة الكثيرين منهم وقبول فكرة أن التعايش معهم ممكن. فهو مدني-ليبرالي يُعلي من شأن حرياته الفردية وسلوكياته النمطية التحرّ

مشاكل/إشكاليات المجتمع المدني اللبناني

صورة
يمر المجتمع المدني اللبناني في أزمة هوية ومسار وخيارات خطيرة. والدليل على ذلك ليس الفشل الأخير في انتخابات نقابة المحامين في بيروت والشمال، لأن الإنتخابات ببساطة شديدة لعبة استراتيجيات وتحرّكات وعمليات مكلفة، وقتا ومالا وجهدا، تخيب حينا وتثمر حينا أخرى. بكلام آخر، لا حرج على من يخسر في الانتخابات. ومن الخطأ، في نظري، الاستغراق في تحديد وتشريح أسباب الخسارة المباشرة، أي الخسارة في العملية الاقتراعية. فالأجدى، والحال على ما هو عليه من اختزال السياسة برمتها في الانتخابات (في العالمين الشمالي والجنوبي)، وهي الظاهرة الكونية-التاريخية التي باتت تُعرف في الأوساط الأكاديمية بال"electorism" (انظر Reybrouck, 2013)، (الأجدى) أن يُصار إلى مراجعات، لا تراجعات، ذاتية مُكثّفة ومُعمّقة، بغرض استكشاف مشاكلَ بنيوية واجتراح مُعالجات تحضيرا للاستحقاقات القادمة.  وبناء عليه، ما هي مشاكل المجتمع المدني اللبناني البنيوية؟ برأيي، هناك أربع مشاكل، وهي مشاكل معلومة ومتداولة ومُتناولة في المنشورات وعلى المنابر. ما ينقص ليس لحظها، إنما الاعتراف بوجودها وتأثيراتها وتداعياتها على الصُّعد كافة، وعلى المديي

فتور العنصر المدني: وقفة عند التنظير النيو-كلاسيكي للدولة-الأمة العربية الحديثة

صورة
التدقيقُ في الخطاب العربي المعاصر حول موقع الدولة-الأمة العربية الحديثة ووظائفها يكشف عن فتورٍ مقلق للعنصر المدني، خاصة عند أولئك الذين يطلقون على أنفسهم صفات تعتريها الشبهات وينقصها التعريفُ المُحكَم، من قبيل "محلل سياسي" و"خبير اقتصادي" و"خبير في الشؤون الإستراتيجية." بل أزعم أنه حتى في الأدبيات الأكاديمية البحثية، قديمها وحديثها، يمكن لحظ هذا الفتور. فما مردّه إذا؟ وما مؤدّاه العملي إذا ما تمت المغالاة فيه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب تفنيدا للغلبة الميكانيكية للمنطق النيو-كلاسيكي على الأسس والآليات المُتَّبعة في التنظير. غالبا ما تُعرَّف النيو-كلاسيكية (neoclassical theory) في مجال علم الإجتماع السياسي بوصفها مدرسة فكرية واقعية تدين ببراديغم بنيوي-تركيبي يحيل الدولة-الأمة برمتها إلى ظاهرة انتظام هرمي (hierarchical). فعلى سبيل المثال، يحاجج فيبر (1946)، أحد أهم روّاد علم الإجتماع السياسي في القرن العشرين، بأن الدولة-الأمة الحديثة تتكون من ثلاثة عناصر: الأرض (أو الرقعة الجغرافية ذات الحدود المرسومة والمعترف بها دوليا)، الشعب (أو الكتلة البشرية المتوحدة

المسيحية السياسية: مقدمة موجزة لمبحث لا بد منه

صورة
الكتابات حول ما يصطلح عليه نظريا بالإسلاموية أو التطبيقات الإشكالية للحركية الإسلامية السياسية تكاد لا تعد ولا تحصى. كل يوم، ومع كل فاجعة جديدة، يطلع علينا من يتوسل عن حق أو باطل (كل حسب نيته) استقراء واقع الأمة الإسلامية، لا لإفادتها وإعانتها على النهوض، بل لتعييرها بما وصلت إليه من "انحطاط وهزيمة" مفترضتين وتحميلها مسؤوليات جسام، لا ناقة ولا جمل لها فيها، فيما يسمى بحوار الحضارات. وكأن الكون كله يدور حول المسلمين والإسلام والإسلام السياسي!  بئس الإختزاليات النظرية. بئس قبحها وجرأتها على الناس. أليس من المعيب فكريا وأخلاقيا مجافاة العلوم الإنسانية والإجتماعية المطلوبة لفهم واقعنا والإستعاضة عنها بخطابات كراهية جوفاء ودعوات فردية وجماعية لوضع المسلمين (من أقصى إندونيسيا إلى آخر ولاية في كندا) في قفص الإتهام؟ أين ذهبت البنى والتراكيب الإجتماعية؟ هل من مجيب يعيد الرشاد إلى نقاشات الإسلام السياسي، تعديلا وتصويبا ونقلا للجدل المستمر من دائرة سؤال المسؤوليات الفردية والجماعية إلى دائرة سؤال البنى المجتمعية والتراكيب الثقافية والتلاقح المفاهيمي بين الجغرافي والسياسي؟ وعلى قاعدة أن